تقرير بحث السيد الخوئي للفياض
405
محاضرات في أصول الفقه
وبكلمة أخرى : أن الأحكام الشرعية ليست تابعة للمنافع والمضار ، وإنما هي تابعة لجهات المصالح والمفاسد في متعلقاتها . ومن المعلوم أن المصلحة ليست مساوقة للمنفعة ، والمفسدة مساوقة للمضرة . ومن هنا تكون في كثير من الواجبات مضرة مالية : كالزكاة والخمس والحج ونحوها ، وبدنية : كالجهاد وما شاكله . كما أن في عدة من المحرمات منفعة مالية أو بدنية ، مع أن الأولى تابعة لمصالح كامنة فيها ، والثانية تابعة لمفاسد كذلك ، فإذا لا موضوع لهذه القاعدة بالإضافة إلى الأحكام الشرعية أصلا . الثاني : أن وظيفة المكلف عقلا إنما هي الإتيان بالواجبات والاجتناب عن المحرمات بعد ثبوت التكليف شرعا ، وأما دفع المفسدة بما هي أو استيفاء المصلحة كذلك فليس بواجب ، لا عقلا ولا شرعا . فلو علم المكلف بوجود مصلحة في فعل أو بوجود مفسدة في آخر مع عدم العلم بثبوت التكليف من قبل الشارع لا يجب عليه استيفاء الأولى ، ولا دفع الثانية ، وأما مع العلم بثبوته فالواجب عليه هو امتثال ذلك التكليف لا غيره ، فالواجب بحكم العقل على كل مكلف إنما هو أداء الوظيفة وتحصيل الأمن من العقاب ، لا إدراك الواقع بما هو ، واستيفاء المصالح ودفع المفاسد . وعلى هذا ، فلا يمكن ترجيح جانب الحرمة على جانب الوجوب من ناحية هذه القاعدة ، بل لابد من الرجوع إلى مرجحات وقواعد اخر لتقديم أحدهما على الآخر إن كانت ، وإلا فيرجع إلى الأصول العملية . ومن الغريب ما صدر عن المحقق القمي في المقام ، حيث إنه أجاب عن هذا الدليل بأنه مطلقا ممنوع ، لأن في ترك الواجب أيضا مفسدة ، فإذن لا يدور الأمر بين دفع المفسدة وجلب المنفعة ، بل يدور الأمر بين دفع هذه المفسدة وتلك ( 1 ) . ووجه الغرابة واضح ، ضرورة أنه لا مفسدة في ترك الواجب ، كما أنه لا مصلحة في ترك الحرام ، فالمصلحة في فعل الواجب من دون أن تكون في تركه
--> ( 1 ) انظر قوانين الأصول : ج 1 ص 153 .